المقريزي
مقدمة 101
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
المشروع الحضاري الذي تبنّاه الخديو إسماعيل باشا وأراد به محاكاة الأنموذج الغربي لتنمية المدن قد بدأ ( فيما تقدم 3 : 60 * ) . وإذا كان هذا المشروع قد نجح في إنشاء مدينة جديدة على النّمط الأوروبي ألصقت بالجانب الغربي للمدينة القديمة في المنطقة التي تقع الآن بين الأزبكيّة شرقا وميدان التّحرير غربا ، فإنّه أثّر سلبا على المدينة القديمة الواقعة شرق الخليج المصري ( شارع بور سعيد الآن ) . وغيّرت المحاولات المتكرّرة لفتح طرق عرضية تربط غرب المدينة على الخليج بشرقها عند صحراء المماليك والتي بدأت منذ الرّبع الأخير للقرن التاسع عشر ، من النّسيج العمراني للمدينة . فالتّخطيط الأصلي لمدينة القاهرة الفاطمية وظواهرها الجنوبية والشّمالية بني على أساس وجود شوارع رئيسة بالمدينة تمتدّ في اتّجاه الشّمال موازية للخليج : الشّارع الأعظم ( شارع المعزّ لدين اللّه الآن وامتداداته الجنوبية حتى شارع السّيوفيّة والتقائه بصليبة ابن طولون ) ، والشّارع الممتدّ من رحبة باب العيد حتى باب النّصر ( شارع الجمالية الآن ) ، ولم تعرف إطلاقا الطّرق أو الشّوارع العرضية التي تربط شرق المدينة بغربها . فأدّى فتح شوارع مثل السّكّة الجديدة وشارع بيت القاضي وشارع محمد علي ، في أواخر القرن التاسع عشر ، ثم شارع الأزهر في سنة 1930 ، إلى تغيير النّسيج العمراني للمدينة القديمة وإزالة العديد من نقاط الاستدلال والآثار المملوكية بصفة خاصّة التي كانت تعترض مسير هذه الشّوارع الجديدة : وبالمثل فإنّ فتح محاور جديدة شمال المدينة القديمة ( شارع جلال ) والمحور الجنوبي المزمع فتحه عند باب الوزير جنوب المدينة القديمة من شأنه أن يغيّر النّسيج العمراني الأصلي لهذه المنطقة . ونحو سنة 1880 م أدرك بعض الفرنسيين المقيمين في مصر ومن بينهم Gabriel Charmes و Aimbroise Baudry و Arthur Rhone أهميّة وجود مؤسّسة عليا تتمتّع بدفع مستمرّ حتى يمكن القيام بجهد حقيقي للمحافظة على المدينة القديمة . فأعلنوا عن ضرورة إنشاء لجنة تعنى بالآثار التاريخية تتوفّر لها السّلطة اللازمة لتتوازن مع سلطات وزارة الأشغال العمومية التي تتولّى أمر المدينة الأوروبية الجديدة . وقد وجد إنشاء هذه اللّجنة مقاومة في البداية ، ولكنهم نجحوا أخيرا في استصدار مرسوم من الخديو توفيق في 18 ديسمبر سنة 1881 م بإنشاء اللّجنة على أن تكون ملحقة بوزارة الأوقاف المسئولة حينئذ عن الآثار الإسلامية في مصر ، وعقدت اللّجنة أوّل اجتماع لها في وزارة الأوقاف في الأوّل من فبراير سنة 1882 م برئاسة سعادة محمد زكي باشا - ناظر الأوقاف حينئذ - وضمّت في عضويتها عددا من الشّخصيات المعنيّة بالآثار من المصريين والأجانب تمّ اختيارهم بعناية . وكان الواجب الأوّل المنوط باللّجنة - والواضح من اسمها - هو حفظ هذه الآثار لا تجديدها .